رام الله: "القطان" تنظم ورشتي عمل للمسرحيّ كريس كوبر

 

نظّم برنامج البحث والتطوير التربويّ في مؤسسة عبد المحسن القطّان ورشتيْ عملٍ قدّمهما المؤلف والمخرج المسرحيّ البريطانيّ كريس كوبر، وذلك على مدار خمسةِ أيّام (7- 11/9/2017)، بحضور 50 مشاركة ومشاركاً في الورشتيْن.

 

استندت الورشتان إلى توجّه إدوارد بوند في المسرح والدراما، لفاعليّة هذا التوجّه في جذب المخيّلة، خاصة مع الصغار، ما يساهم في بناء ذواتهم وتطوير تعاطفهم مع الآخرين، ويعدّ بوند من أهمّ كتّاب المسرح في بريطانيا خلال القرن العشرين.

 

قرأ المشاركون في الورشة الأولى: "الكتابة للمسرح- التوجّه البوندي"، المشهد الافتتاحيّ لمسرحيّة "ثمن الواحد" لمؤلّفها إدوارد بوند، التي أخرجها كوبر، وبُنيت الورشة على المشهد لمرأة تسير وسط الخراب حاملةً طفلها، ليواجهها جنديّ ويجرّدها من زجاجة الماء الوحيدة التي بحوزتها، تقول مراراً: "ميّة لولدي"، ويردّ عليها وهو يحمل طفلته وبندقيّة: "كان لازم حسبتِ هيك حساب قبل ما تنجبي أطفال بوقت الحرب".

 

 

يستولي الجندّي على زجاجة الماء ليروي طفلته، وتقنعه المرأة بأن يتقاسم الماء مع ابنها، وحين يكشف الغطاءَ عن وجه الصغير، يجده ميتاً.

 

-          هذا ميّت منذ أيام.

-          أعرف.

-          لماذا تحتاجين الماء لطفلٍ ميّت؟

-          لأغسله.

بعد قراءة النصّ الذي ترجمه الباحث كفاح فنّي، ناقشه المشاركون ضمن مجموعاتٍ، وحدّدوا ما أدهشهم أو لطمهم فيه، وقادهم النقاش إلى فهم توظيف التشبيهات الصوريّة في المسرح، والتناقضات بين الشخصيّات، وفي الشخصيّة الواحدة أيضاً، فالإنسان هو كائن دراميّ بطبعه، لأنّه لا يعيش التجربة فحسب مثل الحيوانات مثلاً، بل يتأمّل فيها ويصدر ردّ فعل اتجاهها، ثم ينسج حولها قصّة.

 

قال كوبر إنّ الأطفال، بدورهم، هم أعظم فلاسفةٍ في العالم، لأنّهم يسألون دوماً: "لماذا؟"، وحين يكبرون ينسون حاجتهم ورغبتهم لمعرفة الأسباب، لكنّ الدراما تساهم في جعلنا إنسانيّين أكثر، لأنّها تحتضنُ التناقض الطبيعيّ بين الذات والمجتمع.

 

حثّ كوبر المشاركين على أنْ يبدأوا الكتابة المسرحيّة حول أبسط الأغراض من حولهم، لأنّ الكون بأكمله قد ينطوي ويتمركز في أماكن مألوفة وصغيرة نتعامل معها يوميّاً.

 

 

وطرح المشاركون سؤالاً عن كيفيّة ضمان وصول معنى محدّد إلى جمهور المسرحيّة، دون أن يلجأ الجمهور لتأويلاته الخاصّة، وقال كوبر في هذا الصدد: "لا أعتقد أنّ الكاتب يريد أصلاً أن يرسل رسالةً محدّدة يفهمها الجميع بالمعنى الحرفيّ ذاته، نستطيع في المسرح استخدام الأفعال والصور والأغراض المندرجة ضمن منطق المشهد، ولكن لا نحصل على ضماناتٍ لمعنى محدّد واحد".

 

بلور المشاركون دور المسرح بكونه حيّزاً عاماً، ولكنّه آمن للتعبير، مرتبطٌ بالرغبات والحاجات، ونقيضيْ العقل الإنسانيّ: المتعة والألم؛ أي الملهاة والمأساة، اللذيْن دفعا إلى خلق الدراما في المقام الأوّل. في المسرح نتخيّل الواقع، وتتجلى التجربة الإنسانيّة المتخيّلة، ويصبح الفارق بين الواقع والمتخيّل هشّاً كون المخيّلة جزء منا، لذا فهي واقعيّة، مثلنا.

 

أمّا ورشة "الدراما والخيال"؛ فتمحورت حول هيلين، التي رغب بها ملوك الإغريق، لكنّها اختارت واحداً زوجاً لها: مينلاوس، ثم وقعت في غرام باريس  لتهرب معه إلى طروادة، متسبّبة باندلاع حربٍ لمدّة عشرة سنوات.

 

يحاول مينلاوس- في الدراما- أن يستعيد هيلين، وبما أنّه لا يستطيع فعل ذلك وحده، فيدعو الجميع للمحاربة معه، خصوصاً أخاه الملك أجمانون، محوّلاً استرجاع زوجته إلى قضيّة شرفٍ للأمّة أجمع، قائلاً: "معاً سوف ندافع عن شرف اليونان".

 

تتصعّد الأمور حين يضطر الملك أن يقدّم ابنته قرباناً، وإلّا لن تهب الريح ولن تتحرّك سفنه باتجاه طروادة لخوض الحرب. هكذا قال له العرّاف، لأنّه سبق وأن تجرأ على الأرض المقدّسة واصطاد فيها غزالاً، ما أثار غضب الإلهة آرتميس.

 

إذاً يجد طالب التضحية من الآخرين نفسه مجبراً أن يكون الأوّل في تقديمها، نراه وكأنّه انقسم إلى شخصيْن مختلفيْن: ملك وأب، جبروت وضعف. استكشف المشاركون مفهوم التضحية، لا سيما في المشهد الختاميّ من المعايشة، الذي نفّذه كوبر مع معلّمة مشاركة.

 

لعبت المعلّمة دور ابنةِ الملك التي تظنّ أنّها ستتزوّج، لا تعلم أنّ أباها حضّر هذه المكيدة والخدعة، ينسحبُ الأبُ من أمام ابنته البريئة إلى خيمته، فتلحقه وفي يدها رغيف خبزٍ تناوله إيّاه. يتردد الملكُ قليلاً ويأخذ الرغيف محاولاً مضغه بصعوبة، ودموعه تسيل، فكان الخبز كغرضٍ محمّلاً بالمعنى، وكأنّ الملك يأكل مع كلّ قضمة من الخبزِ لحمَ ابنته.

 

وناقش المشاركون تحويل الزوجة والابنة إلى أشياء، تُستخدم في صفقةٍ مع الآلهة، وحلّلوا فكرة الشرف، التي يعتقد بعضهم أنّها موجودة في عقل مينلاوس فحسب، هو اخترعها وقدّسها، وأقنع الناس بأنّهم لا يستطيعون العيش دونها.

 

أكّد كوبر في نهاية الورشة أنّ الدراما في سياقٍ تعلّميّ ليست مسألة تعليمٍ للمنهاج المدرسيّ، ولا تعليماً للفنون الأدائية، إنّما تتمحور حول اكتشاف الإنسان لإنسانيّته، ولهذا السبب؛ لا تلتزم الدراما بالنهايات السعيدة الاعتياديّة، بل تتيح للمربّين أن يحموا أطفالهم داخل العالم، وليس حمايتهم منه. يُعطي حكاية "ذات الرداء الأحمر" العالميّة مثالاً على ذلك، ففيها لا تحمي الأمّ طفلتها "ليلى"، ولا تصف لها شكلَ الذئب أبداً، بل تعطيها تعليماتٍ مجرّدة دون أيّ تفسير، فتعرّض ابنتها للخطر فعليّاً.