افتتحت مؤسسة عبد المحسن القطَّان، اليوم 16 أيار 2026، معرض "هوامش الفقد"، في مقرها في رام الله، والذي يندرج ضمن المشروع متعدد الأوجه "هسهسة الرثاء"، برعاية أمين السادن، وبمشاركة فنانين وفنانات من فلسطين وأرجاء العالم العربي وشتاته.
فداء توما المديرة العامة لمؤسسة عبد المحسن القطان قالت في كلمتها خلال الافتتاح " نفتح اليوم أبواب صالة العرض للجمهور، لزيارة معرضَين عملنا على تطويرهما ضمن مسارَين مختلفَين. لم تكن النية في البداية أن يتقاطعا، لكن يبدو أن الفقد في تجربتنا وذاكرتنا الجمعية كفلسطينيين لا يسمح بالفصل الكامل بين المسارات؛ فنحن نستحضر هذه الأيام ثمانية وسبعين عاماً على النكبة المستمرة، لا كحدثٍ ماضٍ فحسب، بل كواقعٍ يتجدد في الجغرافيا، والذاكرة، والأجساد، واللغة".
يستحضر مشروع "هسهسة الرثاء "الحزن العربي، لا كموضوع يُدرَس ويُمثَّل ويُعرَض بشكل مجرد، وإنما يشتغل عليه من داخله، حيث يكون الحزن نفسه المنهجيةَ التي على أساسها أُنتجت الأعمال المشاركة. يميّز السادن بين هذين المنطلقين، ويصف الأعمال المشاركة بـ "الشعرية" إذ تقترب من الحزن بكثافة وبحساسية مرهفة، تُراعي جماليّات الفن وتعالج في الوقت ذاته ما هو بالغ التعقيد والثقل.
يتبحّر الفنانون المشاركون في الفقد كما يفعل الشعراء، فكلّما أمعنّوا التفكير في الحزن، محاولين إمساك هذا الشيء المتذبذب المبهم واللانهائي، كلّما أفلت من بين أيديهم. ويقول السادن "علينا أن ندرك أن واقع المنطقة الراهن شكَّله الحزن، بعد سنوات وعقود من الخسائر التي لا تُحصى، ويتحتم علينا مصارحة أنفسنا ومواجهة هذه الحقيقة."
يقدم المعرض مجموعة من الأعمال المعاصرة التي تُمثّل مواد وأساليب متباينة، من النحت والتطريز والفوتوغرافيا والفيديو والرسم والتركيب الصوتي، لكنها تجتمع في تعرضها للفقد في هذه المنطقة، وأحزانها التي لا تنتهي. يمكن اعتبار الأعمال المشاركة "هوامش شعرية مخطوطة في فراغ شاسع، تركته خسائر لا يمكن تعويضها" كما يصفها بيان المعرض التعريفي.
وتتضمن الأعمال المعروضة ما قدمه الفنان الجزائري رشيد قريشي رثاءً للصداقة، طلسم وُلد من حلم تجلّى فيه رفيقه الراحل محمود درويش، حيث شُكِّل العمل في الهواء المفتوح على شرفة المؤسسة، من أحجار جُمعت من بيسان وطبريا وأريحا وبيرزيت ورُتّبت على هيئة أمواج تحاكي شواطئ البحر المتوسط، في قلبه نجمة تتشكّل فيها حروف عربية ترمز لكلمات الشاعر. هذا العمل تحية لفلسطين وشاعرها الكبير، أُنجزت بروح التضامن.
وقامت الفنانة الفلسطينية ريم المصري بتطريز مرثيتها للوطن الأم على وشاح حداد مستوحى من وشاح جدتها، يلفّ فستاناً طويل حتى يذوبا في وحدة بصرية واحدة، وعليه قصيدة من تأليفها تندب دوامات الغضب والخوف المتراكمة. ويبحث عملها عن حنان فلسطين الوطن الأم، في ظل مآسٍ تتكرر يتكبدها أبنائها.
أما الفنان اللبناني نديم شوفي فيصوغ مرثيةً للاستذكار مستوحاةً من قصة الشاعر الفلسطيني علي فودة، الذي استيقظ من غيبوبته ليقرأ أنعيته التي كتبها من ظنوه قد فارق الحياة. يجمع شوفي من أبيات فودة السابقة نعياً ذاتياً متخيلاً، خيوطه تندمج لتشكّل كلمة "لا" باللغة العربية، رفضاً للموت والنسيان. فهذه مرثية تعيد تدوير مراثٍ أخرى.
ويعرض خمسة فنانين وفنانات من غزة، وهم خلود حماد وأسامة حسين وروان مراد وشيرين عبد الكريم حسنين وسهيل سالم، رسوماتٍ يدوية أُنجزت بين عامَي 2023 و2025 في ظروف الحصار وحرب الإبادة، مطبوعةً على بطاقات بريدية يمكن للزوار أخذها وتداولها عالميا. ويصف البيان هذه الأعمال بأنها "شواهد على ظروف لا يمكن تصديقها، ولمحات من كوارث لا يمكن تصوّرها".
يقول السادن في هذا السياق "الفنانون، كالشعراء، قادرون على تناول موضوعات بالغة الصعوبة بأساليب آسرة وشعرية، مما يحث الجمهور على التأمل وحمل ذلك الأثر معهم. هذه هي قوة الفن المرهفة، ودلالة المعارض بالتحديد بوصفها منابر مجتمعية وثقافية مؤثرة."
يستحضر المعرض الشعر العربي كإطار مفاهيمي ونقطة انطلاق. فالرثاء، أحد أعرق أبواب الشعر العربي، يُفتتح تقليدياً بـالوقوف على الأطلال، ويستخدم النوح على ما ضاع كمقدمةً لا خاتمة، كتوطئةً لما يأتي بعدها. يحاكي المعرض هذه البنيةَ بوعي، إذ لا يسعى إلى حلٍّ أو تجاوز أو عزاء، بل إلى "التصالح مع الغيابات المفجعة" بوصفها بداية لفهم أعمق، "ليفتح آفاقاً على واقع معقد عادةً ما تحجبه محاولات البقاء"، كما يكتب السادن.
في هذا الإطار الحزن ليس ما يُتجاوَز، بل ما يُواجَه فحسب. كما يعكس المعرض أيضاً فهماً بأن الحداد ليس ترفاً يمكن تأجيله. حيث يقول السادن "مواجهة حزننا مسؤولية جماعية، وثمة إلحاح في تذكّر ما ومن اختفى. لا يمكننا الانتظار حتى تلتئم الجراح. الحداد حقنا الآن، وهو ضرب من المقاومة المستمرة ضد المحو، وتصدٍّ جماعي لنسيان ما هو عزيز علينا".
الفقد الذي يتناوله المعرض متراكم عبر الزمن، من فقدان الأرواح، والأوطان، والحميمية، واللغة، والممارسات المتوارثة، والصلات بين مجتمعات هذه المنطقة، حيث الأراضي العربية نفسها متشرّبة بالحزن في جوهرها. كذلك يرى السادن، من موقعه كعراقي تستضيفه رام الله، أن هذا التراكم يستدعي وعياً جماعياً "بيننا نحن العرب الكثير مما هو مشترك، وعلينا أن نحزن على فقدان تلك الصلات التاريخية والثقافية العميقة، والتي مع الاسف لا تدركها أجيال نمت في ظل تقسيم وحدود الاستعمار."
ويجمع المعرض فنانين من أرجاء العالم العربي وشتاته لفحص أوجه مختلفة من الفقد. فبينما يعالج كل فنان موضوعًا بعينه ومكانًا وزمانًا محددَين، يستحضرون في الوقت ذاته تجارب يشترك فيها أناسٌ كثيرون في هذه المنطقة، كما أنه لا يفحص الأحداث الراهنة وحدها، بل يتأمل أيضًا كيف تواصل الخسائر الماضية تشكيلَ واقعنا الحالي.
يكسب هذا الموقف المعرض طبقة إضافية من الدلالة حين نعرف أن السادن (الذي نال دكتوراه في التاريخ من جامعة هارفارد ويتمحور بحثه الحالي حول مفاهيم التضامن) وجد في رام الله صدى لتجربته الشخصية، حيث يقول "رأيت تجربتي تنعكس في هذه الأرض. بحثي الأكاديمي المستمر كشف لي كيف أن فلسطين كانت على الدوام في قلب الوجدان العربي الجماعي، بالفعل قلب العالم العربي الحديث."
يقول السادن أن المشروع في مجمله "ليس سوى بداية". ويتساءل "أين نذهب من هنا، بعد أن نستوعب هذه الحقائق؟ هل يمكن للحداد أن يُرسي أسساً لوعي آخر، ولواقع بديل؟" وكما في الشعر العربي القديم، الوقوف على الأطلال لم يكن غايةً في نفسه، لكن ما يأتي بعده هو الموضوع الأساس، فمعرض "هوامش الفقد" يطرح السؤال الجوهري: وبعد الوقوف، إلى أين؟
_____
*معرض "هوامش الفقد" مفتوح من 16 أيار حتى 28 كانون الثاني 2027 في مؤسسة عبد المحسن القطان، رام الله، فلسطين. المشروع بعناية أمين السادن.
الفنانون المشاركون: فيرا تماري، حسين ناصر الدين، حسين شيخة، إسماعيل بحري، جو نعمة مع مايا الخالدي، خلود حماد، مرجان غنايم، نديم شوفي، علا حسنين، أسامة حسين، رشيد قريشي، ريسان حميد، روان مراد، ريم مصري، صادق الحراسي، سارة القنطار، شيرين عبد الكريم حسنين، سهيل سالم، طارق كيسوانسون، ثناء فاروق.